منتديات شتاء لندن

الوحدة العربية وتوافر مقوماتها

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الوحدة العربية وتوافر مقوماتها

مُساهمة من طرف قمر الشتاء في الجمعة نوفمبر 30, 2012 12:20 am

لقد كثر الحديث عن القومية العربية والوحدة العربية في السنين الأخيرة وظهر لها دعاة ومؤيدون كما تصدى لها معارضون ومتنكرون. وعلى كلتا الحالتين فهي فكرة لها مساس بتاريخ العرب من جميع نواحيه ومظاهره: الجنسية، واللغوية، والسياسية والاقتصادية، والدينية. وسوف أحاول أن أشرح وأحلل جميع هذه المظاهر التي تدل على وحدة العرب في الماضي، وإمكان اتحادهم في الحاضر والمستقبل.
وفي هذا المقال الأول سأبحث ـ بكيفية موجزة ـ تاريخ جنسية العرب ووحدة هذه الجنسية، ثم أتناول بالبحث ـ في مقالات أخرى ـ الوحدة اللغوية، والوحدة السياسية، والوحدة الدينية والاقتصادية إن شاء الله. ولأبدأ الآن بالوحدة الجنسية:

الوحدة الجنسية
«1»
إن البحث العلمي الحديث لا يجعل الوحدة الجنسية العنصرية من المقومات الرئيسية للوحدة الوطنية والسياسية ، فقد توطدت هذه الوحدة في بلاد لا يجمع بين ساكنها أصل واحد وعنصر أو جنس واحد. وإلا أنه لا ينكر أن مثل هذا الركن إذا توفر في بلاد ما كانت الوحدة التي تقوم فيها أقوى وأشد تماسكا من الوحدة التي لا يتوفر فيها هذا الركن لأن في توفيره تتوفر الميول والطبائع والتقاليد على اختلاف أنواعها.
وهذه الوحدة متوفرة في الوطن العربي منذ أقدم الأزمنة إلى الآن، فمهما تختلف آراء الباحثين في منشأ الجنس العربي قبل وجوده في جزيرة العرب فمعظمهم متفقون على أن هذه الجزيرة ـ منذ أن صار البشر يحيون نوعا ما حياة مدنية وسياسية واجتماعية، ويخلفون آثارهم فيها لمن بعدهم مما يمكن أن يعتبر بدء التاريخ الإنساني والمدني القديم ـ كانت مأهولة بجماعات متشابهة في الملامح والطبائع: تتكلم لغة واحدة وإن تعددت لهجاتها. وإن الأقوام التي سميت ـ خطأ ـ بالأقوام السامية وسجلت نشاطها السياسي والحربي والاجتماعي والعمراني والفكري العظيم في جنوب الجزيرة وشمالها ثم في البلاد المجاورة للجزيرة أي في بلاد العراق والشام ووادي النيل. هي من هذه الجماعات.
وتسمية الأقوام التي تنسب إلى جزيرة العرب بالأقوام السامية هي تسمية ابتكرها المستشرق النمساوي شلوز سنة 1781 م استنادا إلى الأنساب الواردة في سفر التكوين، وليس لها سند من تاريخ وعلم وآثار صحيحة.
والتسمية الصحيحة التي لها سند من كل ذلك هي «الأقوام العربية» فإن جزيرة العرب مقر هذه الأقوام أخذت تذكر باسم العروبة في كتب اليونان والرومان القديمة منذ ألفين وخمسمائة سنة واسم العرب الصريح أخذ يطلق على أهلها المستقرين في داخلها أو على تخومها الشمالية جزئيا أو كليا منذ ألفين وخمسمائة سنة كذلك على ما تدل عليه النقوش الأشورية ونصوص أسفار العهد القديم. واللغة التي تكلم بها سكان الجزيرة والبلاد المتاخمة لها منذ ألفين وخمسمائة سنة هي اللغة العربية بقطع النظر عن تعدد اللهجات وبعد هذا قليلا أو كثيرا عن اللغة العربية على ما تدل عليه نقوش وأسماء وإعلام الحميريين والأقباط الذين برزوا في مجال الحضارة والحكم في داخل الجزيرة وخارجها قبل الميلاد المسيحي، وأمتد إلى ما بعده. فإطلاق تعبير «الأقوام العربية» على سكان جزيرة العرب والبلاد المجاورة لها أصح علميا وتاريخيا وواقعيا من تعبير: «الأقوام السامية» على ما هو المتبادر لأنه يمتد في سنده إلى حقبة سحيقة في القدم، ويتصل بالواقع الراهن، وقد قال بهذا باحثون عديدين منهم الدكتور جواد علي في كتابه: «تاريخ العرب قبل الإسلام» وعطية الإبراشي في كتابه عن الأمم السامية ولغاتها.
فلقد عقد الدكتور جواد في الجزء الأول من كتابه «تاريخ العرب قبل الإسلامية» فصلا خاصا تناول فيه موضوع السامية والساميين جاء فيه فيما جاء أن المعنيين بلغات الشرق الأولى لاحظوا وجود أوجه تشبه ظاهرة بين البابلية والأشورية والكنعانية والعبرانية والآرامية والعربية واللهجات العربية الجنوبية، والحبشية، والنبطية وأمثالها من حيث اشتراكها وتقاربها في جذور الأفعال وتجاريفها وزمني الفعل الرئيسيين: التام والناقص أو الماضي والمستقبل في أصول «المفردات والضمائر والأسماء الدالة على القرابة الدموية، والأعداد، وبعض أعضاء الجسم، وفي تغير الحركات في وسط الكلمات الذي يحدث تغيرا في المعنى وفي التعابير التي تدل على منظمات الدولة والمجتمع والدين. فقالوا بوجود وحدة مشتركة تجمع شمل الأقوام التي تتكلم بها وأطلقوا عليها اسم «الجنس السامي» وعلى اللغات التي تكلمت بها اسم «اللغات السامية» ثم اختلفوا في مهد هذا الجنس، فرأى فريق منهم أنه جزيرة العرب، وفريق رابع أنه بابل، وفريق ثالث أنه افريقية، وفريق رابع أنه آسيا الصغرى وقد أيد الرأي الأول عدد كبير أو العدد الأكبر منهم أمثال شبرنكر ـ وسايس ـوشرادرـ ودي كويه ـ وكينك ـ وكارل بروكلمان ـ نتيجة لاستقرآت واستنتاجات اجتماعية ودينية ولغوية وتاريخية، والمستفاد مما جاء في هذا الفصل أن الذين قالوا بالآراء الأخرى إنما قالوها بالنسبة للمهد الأصلي فحسب، وإن كثيرا منهم يقررون أن الجنس العربي ـ وهو الاصطلاح الأصح ـ قد هاجر من مهده الأصلي إلى جزيرة العرب أو أطرافها وانتشر فيما ثم أخذت موجاته تنساح منها إلى ما يجاورها عودا على بدء، بحيث يبدو من هذا أن معظم الباحثين يتفقون على أن جزيرة العرب هي مصدر الموجات التي خرجت إلى الأقطار المجاورة لها وعمرتها منذ أقدم الأزمنة.
وقد أشار الأستاذ عطية الأبرشي إلى أنه على أي تقسيم لمجاميع اللغات سواء أكان مبنيا على رواية الكتاب المقدس أم البحث العلمي، وسواء كان عدد المجاميع ثلاثا أو عشرا فإنه توجد جماعة بشرية واحدة كونت جنسا بشريا واحدا، وقد اتصلت شعوبه اتصالا وثيقا، وارتبطت بكل الروابط الطبيعية التي تجعلها ـ حقيقة ـ جنسا بشريا واحدا على مبد أي تقسيم. وهذا الجنس هو الجماعة الكبرى المعروفة باسم الجنس السامي والذي تعرف شعوبه أيضا بالشعوب السامية، ولغاته باللغات السامية والتي تحضرت في أطراف الجزيرة العربية وفيما وراء هذه الأطراف مع بقاء نوع التفكير والخيال واحدا بما تقدم من الأسباب وبحكم الوراثة. وقد كانت نشأة جماعتها الأول في هذه الجزيرة ومن هذا المهد الأول هاجرت مرة أخرى دون انقطاع .
وخلاصة القول، والنتيجة المنطقية له أن الجماعية السامية هي الجماعة العربية، وإن مهد الساميين الأول هو مهد هذه الجماعة العربية الأصلي وهو نجد والحجاز والعروض واليمن وما إلى هذه البقاع ، ومنها كانت الهجرات السامية الأولى إلى شمال الجزيرة ومشارف الشام والعراق حتى تخوم بلاد إيران ثم إلى بلاد الحبشة ووادي النيل، وإن الأمة العربية قديما وحديثا هي الجنس السامي بأكمله، ومنزلة جميع الوحدات السامية من العرب منزلة الشعوب المتفرعة عن أمة واحدة مع دوام اتصال الفرع بالأصل واستمرار المدد من الأصل والواحد، وأنه بمقارنة اللغات السامية ومقارنة لفظية اتضح للباحثين فيها أن أصول كلماتها الاشتراك اللفظي مع التحوير بالمعنى: بأن تكون الكلمة في اللغة العربية بمعنى وهي بلفظها في العبرانية أو السريانية بمعنى آخر، غير أن العلاقة بين المعنيين لا تلبث أن تبدو ببحث يسير . ويظهر أن التغيير قد جاء بناء على التطور المعروف في معاني الكلمات . وبالمقارنة اللفظية الفنية أصبح مما لا جدال فيه مطلقا أن جميع اللغات السامية الداخلية في مجموعة واحدة هي لهجات متقاربة جدا ترجع إلى واحدة ، وإن جميع الشعوب التي تتكلم بها هي فروع جنس واحد يرجع إلى جماعة أولى هي أصل هذه الفروع. وبمقارنة لغتين من هذه اللغات مقارنة معنويات أدبية نخرج بنتائج قيمة صادقة في شأن العلاقات التي تربطها ببعضها في الشؤون الدينية والصناعات العملية المكونة للحضارة والنظر العلمي والاجتماعي والنظر الفلسفي والمجهود العقلي والتاريخي في حدود الروايات والأساطير والمجهود العقلي الأدبي المعبر عن الذوق وسمو الروح.
ولقد جاء في كتاب ¬«تاريخ اللغات السامية» لإسرائيل لفن سنون أن اللغات السامية تتميز في بعض أحوالها عن أنواع اللغات الأخرى بميزات وخصائص تجعل كلا من هذه اللغات كتلة واحدة. وأهم هذه الميزات هي:
1) إن اللغات السامية تعتمد على الحروف الصامتة وحدها ولا تلتفت إلى الأصول بقدر ما تلتفت إلى الحروف الصامتة.
2) أغلب الكلمات يرجع اشتقاقه إلى أصل ذي ثلاثة أحرف أو حرفين .
3) تطغى على اللغات السامية ظاهرة الفعل، لأن اشتقاقات كلماتها هي في الأصل «فعل».
4) ليس في اللغات السامية أثر لإدغام كلمة في أخرى حتى تصير الاثنتان كلمة واحدة تدل على معنى واحد مركب من كلمتين مستقلتين كما هي الحال في غيرها.
5) ولا يزال هناك شيء من بقايا الأعراب في أغلب اللغات السامية .
وتظهر أوجه الشبه في أغلب اللغات السامية خاصة في الأشياء التي كانت معروفة لهم جميعا كأعضاء الجسم ، والضمائر حيث هي متقاربة في جميعها ـ تقريبا ـ مما فيه دلالة على كون الناطقين بهذه اللغات من أصل واحد وإن أجدادهم كانوا أعضاء كتلة واحدة.
ولقد كانت العوامل الطبيعية والاجتماعية مثل الجفاف وشح الماء والقحط وقلة الكلأ والمنازعات القبلية تعمل عملها في جزيرة العرب منذ الأحقاب السحيقة في القدم يتحفز جماعات من سكانها إلى الإنسياح إلى الأقطار المجاورة جنوبا وشمالا ثم ظلت هذه العوامل التي هي ظاهرة طبيعية واجتماعية من ظواهر الجزيرة تعمل عملها دورا بعد دور قبل الإسلام وبعده وما تزال، فيكون في هذا التلاحق المتواصل المتخذ في طبيعته وحوافزه ومجراه الدليل على وحدة الأمل والجنس والمنشأ بين سكان الجزيرة والأقطار المجاورة لها تكون فيه وسيلة مستمرة لتوثيق الروابط والصلات والوحدة بين القلب والأطراف، وتجديد دم الجنسية العربية وحيويتها وطابعها مما لا يكاد يكون له مثيل في الدنيا .
«2»
وهكذا أخذت بلاد الشام ساحلها وداخلها وجنوبها وشمالها وباديتها منذ أكثر من خمسين قرنا تعمر بالموجات الكبرى التي جاءت إليها من الجزيرة رأسا وبطريق العراق، والتي عرفت بأسماء الكنعانيين ـ والفنقيون فرع منهم ـ والعموريين والآراميين، وبالموجات الصغرى التي كانت تنساح من حين إلى حين ـ كنتيجة لهذه الموجات الكبرى ـ وكانت تابعة لها، والتي لم تذكر باسم خاص في الأسفار والآثار. وهذا قبل بروز العروبة الصريحة، ثم بالعريبيين والثموديين واللحبانيين والفيداريين والنبطيين والتدميريين والعبابيد والخبايا والدنجريين والقحطيين والبازيين في أوائل بروز العروبة الصريحة ممن جاء ذكرهم في النقوش والمدونات القديمة (1) وغيرهم ممن لا تعرف أسماؤهم ولكن الآثار والقياس يؤيدان إنسياحهم، ثم للعلافيين والجهنيين والبلويين والقضاعيين والضجاعمة والنتوخيين والكلابيين والطائيين والتغلبيين والبكريين والقاسطيين والتميميين والداريين والغساسنة والإيطوريين والعامليين وغيرهم ممن وردت أسماؤهم في المدونات العربية وبقيت انسالهم إلى ما بعد الإسلام والذين كانوا يملأون جنبات بلاد الشام المختلفة وذلك في دور العروبة الصريحة قبل الإسلام (2) وأخذ السابقون واللاحقون ينسكبون في بوتقة هذه العروبة بسهولة ويسر، وتتوارى الشخصيات واللهجات غير الصريحة في عروبتها حتى إذا جاءت موجة الفتح الإسلامي الكبرى قويت عملية الانصهار وتكاملت حتى غدت العروبة طابع هذه البلاد الخالد.
ثم استمرت الموجات متلاحقة تقوي عملية الانصهار، وتمد عروبة بلاد الشام بالدم والحيوية، وتغذي المدن والقرى فنفسح لغيرها المكان في البادية الشامية التي تعج الآن بالقبائل العربية التي منها ما يرجع طروه إلى قرنين وثلاثة أو أكثر فتتمثل في هذا صورة حية لما كان يجري عليه الأمر منذ آلاف السنين.
وكذلك كان شان العراق، حيث أخذ يعمر منذ أكثر من خمسين قرنا بالموجات الكبرى التي كانت تنساح إليه من جزيرة العرب رأسا أو بطريق الشام والتي عرفت بالكلدانيين والأكاديين والعموريين والآشوريين والآراميين، وبالكثير من الموجات الصغرى التي كانت تلحق بهذه الموجات وتندمج فيها قبل بروز العروبة الصريحة، ثم بالنتوخيين واللخميين والشيبانيين والتغلبيين والأسديين والبكريين والنزاريين والكنديين والمذحجيين وغيرهم ممن ذكرتهم مدونات العرب وبقوا إلى ما بعد الإسلام وممن لم تذكرهم والذين كانوا يملأون جنبات العراق في دور بروز العروبة الصريحة قبل الإسلام. وقد أخذت أنسال الموجات العربية القديمة غير الصريحة وأجيال الموجات الصريحة ينسكبون في بوتقة العروبة الصريحة بيسر وسهولة. واستمرت الموجات المتلاحقة تقوى عملية الانصهار وتمد عروبة البلاد بالدم والحيوية وتغذي المدن والقرى.... فتمثل في هذا كذلك صورة حية لما كان يجري عليه الأمر منذ آلاف السنين. وكذلك كان شأن وادي النيل الممتد من سواحل البحر الأحمر وبحر الهند شرقا إلى صحراء السودان الغربي غربا ومن شبه جزيرة سيناء والبحر الأبيض شمالا إلى منطقة خط الاستواء جنوبا حيث أخذت هذه المناطق الواسعة تعمر بالموجات التي كانت تنساح إليها من جزيرة العرب عن طريق سيناء وبرزخ السويس تارة، وعن طريق باب المندب تارة أخرى، وبقيت مستمرة متلاحقة حتى إذا جاءت موجة الفتح الكبرى أخذت أنسال الموجات الأولى تنسكب في بوتقة العروبة الصريحة التي كانت طابع هذه الموجة فلم تمض بضعة أجيال حتى تكامل الانصهار، وغدت العروبة طابع هذه البلاد الخالدة أيضا. وقد ضلت عملية انسياج القبائل العربية متلاحقة بعد الفتح الإسلامي فكانت وسيلة مستمرة لقوة رسوخ ذلك الطابع ولتغذية المدن والقرى فينفسح المكان لغيرها في مختلف أنحاء وادي النيل الذي تعج الآن بالقبائل الصريحة العروبة بأسمائها وأصولها والتي يبلغ عددها أكثر من مليون في مصر، وملايين عديدة في السودان والحبشة وسواحلهما. وهذا عدا الملايين العديدة التي اندمجت في حياة القرى والمدن في وادي النيل،والتي تحتفظ بتقاليدها وعاداتها و أحسابها العشائرية. وإذا كان التاريخ القديم لا يمدنا بأسماء معينة للموجات العربية الكبرى التي انساحت إلى وادي النيل قبل الإسلام كما فعل بالنسبة للعراق والشام فأجود في الأذهان فراغا بالنسبة لصلة مصر بالعروبة وجزيرة العرب منذ الأزمنة القديمة، فمرد هذا إلى طبيعة التسجيل التاريخي المصري الذي نحا نحو تعداد الأسر والدول، وليس من شأنه أن ينقض ما نقرره من كون معظم سكان مصر الأقدمين وخاصة الذين أنشأوا ممالكها وحضارتها المعروفة تاريخيا هم من الجنس العربي كسكان العراق والشام لأن ذلك مؤيد بالوقائع المستمرة المتلاحقة التي لم تنقطع حتى غدت حقائق تاريخية .
على أن كثيرا من الباحثين يقررون ـ برغم ذلك الفراغ، واستنادا إلى الدراسات الأثرية وغير الأثرية ـ إن معظم سكان وادي النيل هم موجات جاءت من جزيرة العرب، وكان أكثرها ينساج منت الجنوب حيث ينزل في سواحل أثوبيا فينتشر ويستقر بعضها في مختلف أنحائها، ويتجه بعضها إلى الشرق والشمال فتنتشر منها جماعات في أنحاء السودان ويطرق منها جماعات أرض مصر فتنتشر وتستقر فيها.
ولقد سجلت النقوش المصرية ـ التي ترجع إلى أربعين قرنا قبل الميلاد فما بعد ـ قيام ملوك مصر بحملات تأديبية عديدة على حدود الدلتا الشرقية في الشمال وحدود النوبة والسودان في الجنوب لرد عدوان القبائل التي لم تفتأ تنساح إلى مصر من الجهتين، واهتمامهم لتحصين حدودها في سبيل ذلك، كما سجلت تسرب قبائل عديدة من الجهتين قبل «الشاسو» واستقرارها في القطر المصري واستعانة ملوك مصر بها في حروبهم مما فيه الدلالة الحاسمة على عملية الانسياج من جزيرة العرب إلى وادي النيل منذ الأزمنة القديمة.
ولقد كانت موجة «الشاسو» أو «الهكسوس» التي طرأت على مصر من طريق برزخ السويس والتي لا يكاد يختلف أحد في أصلها العربي ـ حسب الاصطلاح الأصح ـ واستيلاؤها عليها وإقامتها فيها كيانا وسلطانا أمتد مئات السنين، وتسرب جماعات عديدة من أرومتها إلى مصرن وغلبة لغتها وطابعها عليها، وقيام معظم أسر الدولة الأخيرة منها خلال خمسة عشر قرنا أي من نحو سنة 2000 إلى سنة 500 ق م على ما قرره المؤرخون والأثريون الذين منهم «جيمس بريستيد» في كتابه: «تاريخ مصر من أقدم العصور» والأثري المشهور «أحمد كمال» في كتابه «الكافي في تاريخ مصر» وغيرهم ... كل هذا دليل حي على ما كان يجري قبلها من تسرب الموجات العربية إلى مصر من طريق الشمال حينا ومن طريق الجنوب حينا آخر.
وإذا كانت السحنة المصرية والمفردات اللغوية المصرية القديمة جعلت الباحثين يرجحون انسياح عناصر إفريقية سوداء إلى وادي النيل منذ الأزمنة القديمة ، فإنهم يقررون في الوقت نفسه أن سحنة الملوك والكهان والأمراء والحكام والطبقات الرفيعة والضبغات الصناعية التي اكتشفت مومياؤهم وصورهم وتماثيلهم في مختلف أنحاء وادي النيل، تمت إلى الجنس الأبيض، ومنهم من يقرر صراحة إنها تمت إلى الجنس السامي ـ أي العروبة ـ وأن ذلك القبائل السود لم تكن أكثر من قسم من السكان الثانويين، وكل ما في الأمر أنها كانت ذات أثر في تكوين سحنة ولون ولهجة خاصة لسكان وادي النيل نتيجة لاختلاط دمائها ولغاتها بالموجات العربية .
ويؤيد الباحثون تقريراتهم بمقارنات لغوية وفيزيولوجية وتاريخية، ولقد جاء في كتاب: «الأثر الجليل لسكان وادي النيل» للعالم الأثري أحمد نجيب إن من يتأمل في التماثيل المصرية القديمة المحفوظة بدار المتحف علم يقينا أن هذه الأمة من الجنس الأبيض الأسيوي، وإن كثيرا من لغتهم تشابه اللغة العبرانية والآرامية، كما جاء في كتاب «تاريخ السودان العام» للدكتور حسن كما استنادا إلى البحوث والإستقرآت التي قام بها أن المصريين والسودانيين جاؤوا من بلاد العرب عن طريق الصومال وجاء أيضا أن المصريين لم ينسوا في وقت من الأوقات بلاد السودان التي كانت طريقهم إلى مصر من بلاد العرب الجنوبية التي ظلت معمورة بأقوام من جنسهم المتحد معهم في العادات واللغة والقوانين، وكل ما هنالك أنه طرأ على مصر عناصر زنجية امتزجت بالقادمين من تلك البلاد فاكتسبوا سحنتهم من امتزاجهم بها.
وجاء في كتاب: «تاريخ مصر قبل الفتح العثماني» الإسكندري وسفيدج أن أرجح الآراء أن مؤسس حضارة مصر الأولى التي ترجع إلى ما قبل الأسر الملكية قوم لوبير الأصل غير أن حضارتهم ليست هي أساس مدينة المصريين الذين تكونت منهم الأسر المختلفة والذين وصلوا بمصر إلى أعظم درجات الرقي وقد تبث أن هؤلاء الأقوام ساميون قدموا إلى مصر من آسيا ولا يعلم يقينا من أين دخلوا، فهناك من يقول: أنهم دخلوا من برزخ السويس، هناك من يقول أنهم جاؤوا عن طريق الجنوب. وعلى كل حال فالمعلوم يقينا أن الذين نشأ منهم «ميتا» أول ملوك الأسرة الأولى للمملكة المصرية القديمة كانوا قبل ظهوره يقطنون الجهة الجنوبية من مصر، وإن ما يدل على أن أجدادهم من الساميين أن أقدم ما وصل إليه يغلب غيه العنصر السامي.
وجاء في كتاب «تاريخ مصر من أقدام العصور» لبريستيد وهو من مشاهير علماء الآثار المصرية والتاريخ المصري(3) إن جماعات من الليبيين والجالا والصومال كانوا يطرون على مصر منذ أقدم الأزمنة وإن المعروف إلى هذا أن أقواما ساميين من عرب آسيا طرأوا على وادي النيل وعمموا لغتهم فيه وصبغوه بصبغتهم كما هو ظاهر من النقوش المصرية القديمة ، وإن لغتهم حافظت على ساميتها مع مرور الزمن بالرغم من تغيير وتحريف باختلاط السكان، وإن تاريخ الهجرات السامية الأولى يرجع بلا مراء إلى ما قبل العصور السامية الأولى يرجع بلا مراء إلى ما قبل العصور التاريخية الأولى، وإن من الثابت إن هذه الهجرات تكررت مرارا في العصور التالية، وأنه إذا كان من الصعب معرفة الطريق التي سلكوها فالأقرب للذهن أن يكونوا أتوا من برزخ السويس كما فعلت العرب في بداية الإسلام.
ولقد نبه البحاثة الشهير «جبرائيل هانوتو» في مقدمة كتابه: «تاريخ الجنسية المصرية» التي عقدها على بحث أصل سكان مصر ومحنطات ملوك مصر منذ أقدم الدولة الأولى وما بعدها والإسلاف الذين انحدروا منهم والذين طرأوا على مصر من شمالها الشرقي ومن جنوبها الشرقي وإن كان أضاف إلى هذا أن الدم المصري مزيج من عناصر سامية وإفريقية وأوروبية من سكان شواطئ البحر الأبيض.
ولقد قال العالم الأثري الفرنسي «ويجيل» في كتابه «تاريخ مصر القديمة» إن الساميين هم أصل سكان مصر القديمة» أن الساميين هم أصل سكان مصر، وأنه كان منهم قبل الأسرة الأولى من الدولة الأولى ستون ملكا، واستمر حكمهم أكثر من ألف عام .
وقال «غوستاف جيكي» أستاذ الأثريات المصرية في كلية «نيوشايل» في كتابه: «تاريخ المدينة المصرية» إن سكان مصر القدماء جاؤوا إليها من جزيرة العرب قبل ستة آلاف سنة، وإن الأسر الفرعونية الأولى من هؤلاء القادمين. ويقرر العالم الأثري المشهور «أحمد كمال» إن أصل اللغة المصرية واللغة العربية وأحد، وإن الاختلاف الظاهر بينهما ليس إلا نتيجة لإسقاط بعض الكلمات في بلاد العرب وبقائها في وادي النيل أو العكس، ثم نتيجة لما يتعري الكلمات من القلب والإبدال، وما يطرأ على اللغات من تغير من معاملة الأجانب. ولقد وضع هذا العالم قاموسا أتبث فيه اشتراك أكثر من عشرة آلاف كلمة بين المصرية القديمة والعربية كدليل ما قرره.
و«غوستاف لوبون» هو الآخر يقرر أن «كل جذور اللغة المصرية القديمة ومعظم قاموسها القديم لم يتركب من عناصر سامية حتى أجروميتها أي صرفها ونحوها فيما يتصل بتركيب المؤنث والمذكر والجمع، والكلمات الدخيلة على الأصل السامي ترد إلى الجنس الأسود الذي طرأ على مصر في بعض الظروف».
ويقرر الدكتور حسن كمال أيضا أن المصريين القدماء هم من بلاد العرب الجنوبية نزلوا إلى شواطئ أثيوبيا ثم تقدموا الشمال حتى دخلوا بلاد مصر، وبسبب ذلك يقول الأثيوبيون: أن مصر من مستعمراتنا، على اعتبار أن سكانها القدماء جاؤوا من ناحيتهم.
والذي يستعرض آلاف القرى والمدن والإعلام القديمة في كتاب «الخطط التوفيقية» لعلى مبارك يلمس اللمحة العربية القديمة بيم مصر القديمة والعروبة.
وإذا كنت قد اهتممت لا يراد أقوال الباحثين والمؤرخين والأدلة على صلة مصر القديمة بالعروبة دون أن أهتم كثيرا ببلاد العراق مما هو مسلم به ومستقر في الأذهان ، وقصدي من ذلك إحباط مكر أعداء العروبة من شعوبيين ومستعمرين ومبشرين ومغرضين وصنائعهم الذين تتجاوز مكابرتهم كل منطق فيتجاهلون ويكابرون كل ما سجلته الآثار المصرية القديمة من محاولات التسلل العربي إلى مصر من شمالها وجنوبها، ومن نجاح كثير من هذه المحاولات على شكل واسع حينا وضيق حينا آخر، ويتجاهلون كذلك السيل العربي الصريح الذي أخذ يتدفق على مصر منذ الفتح الإسلامي إلى الآن عن طريق الجنوب أو الشمال دون انقطاع، ويغمر مدنها وقراها وصحاريها والذي تفوق أعداده أعداد سكان مصر قبل الإسلام أضعافا مضاعفة ، والذي يتمثل في كل ناحية من أنحاء مصر وفي كل مظهر من مظاهر حياتها وتقاليدها ولغتها تمثلا شاملا قويا، واستمرارا لما كان يجري قبل الإسلام ودليل حيا دائما عليه بقصد فصل تاريخ العرب ليوقروا في أذهان المصريين وهن الصلة بينهم وبين العروبة ويجعلونهم يعتبرون العرب الذين جاءوا هذه المرة تحت راية الإسلام غزاة كسائر الغزاة الذين طرأوا على مصر ووطدوا حكمهم فيا بالقوة العسكرية برغم ما هنالك من فرق هو أنهم أعطوا مصر دينهم ولغتهم، حتى لقد جاء وقت حابوا فيه مظاهر العروبة أشد المحاربة وحاولوا أن يجعلوا النعرة الفرعونية أصلا في الحياة المصرية بزعم أنها تطغى مع الزمن على النعرة العربية الإسلامية، ودعوا إلى نبذ اللغة الفصحى والاكتفاء بالعامية ذهابا منهم إلى أنها سوف تتطور حتى بذلك الصلة بين مصر والعروبة كما يزعمون. ولكن مزاعمهم وجميع مساعيهم أحبطت كلها، والأحداث الحاضرة دليل على ذلك كما أن التاريخ القديم والحديث يدلان على ذلك .

قمر الشتاء
كوكتيلي جديد
كوكتيلي جديد

الجنس : انثى عدد المساهمات : 11
نقاط : 33
تاريخ الميلاد : 26/12/1996
تاريخ التسجيل : 29/11/2012
العمر : 20

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى